ابن بطوطة

لا شيء أجمل من نسمة هواء عطره الحرية والإخاء، الصداقة أثمن ما يكتسبه المرء في الدنيا، الحب....ما هو الحب...من يدري قد نقبض من أثره شيئا يوما ما...ساعتها سنعلم كنه الوجود.

الجمعة,كانون الثاني 04, 2008


من علامات التخلف البارزة في مجتمعنا عدم الوضوح والمسوؤلية، فلا شيء واضح البتة ولا أحد مسؤول قط. والصمت المطبق والتجاهل وعدم التعليق سياسة وسلوك معتاد، لا شيء عقلاني أو منطقي، بل تحولات درامية فجائية وسلوكات غير مفهومة. وفي جميع الحالات لا مبالاة مطبقة وإصرار عجيب على الانفعال لا الفعل والرد لا المبادرة، والإدانة اللفظية بل القلبية وذلك أضعف الإيمان، بل أحيانا إطراء وإشادة وتبجيل وتعايش مع الضحالة والإسفاف، شعار الجميع لا شأن لي  والعجلة تسير...

في الشارع والمدرسة والمعمل والجامعة والمصرف والمسجد والمقهى والمركب الثقافي والمكتبة وفي كل مكان أو مرفق، وعلى الهاتف الأرضي والنقال بل حتى في المجال التفاعلي الجديد على الشبكة العنكبوتية. لا تخطئ العين التخبط والانفصام الذي يرزح تحت كاهله الفرد والمجتمع. ويزداد ذلك كل ما وقف المرء على حدود مناطق التناقض والاشتباك بين الواقع كما نحياه ونتدبر أمورنا فيه، وبين متطلبات الأخلاق والقيم الدينية والعادات الاجتماعية والأصول والضوابط المرعية، المستمدة من الضمير الجمعي للمجتمع.

تتحكم في ردات الفعل عند هذا التصادم عناصر عدة منها عوامل التكوين النفسي ودرجة الوعي والقدرة على التفاعل الإيجابي مع مختلف المواقف. لكن ما لفت نظري هو غياب شبه شامل للمفهوم الدقيق والموضوعي للمسؤولية وقلة تناوله بكيفية علمية بعيدا عن مجرد لوك المصطلح في غير محله فما ذا نعني بالمسؤولية إذن؟

****

 

المسؤولية  بداية هي واجب الإجابة عن الأفعال والتصرفات، أي أن تكون الضامن لها وتتحمل آثارها وعواقبها. هذا المفهوم ينطبق على ميادين مختلفة منها المسؤولية السياسية والمدنية  والجنائية والعقدية والتقصيرية وغيرها.

لكننا هنا نقصد المسؤولية الأخلاقية والتي تعني القدرة على اتخاذ قرار، بالنسبة لموضوع طوعي وواع، دون الرجوع مسبقا إلى سلطة أعلى، وأن يكون المرء قادرا على إعطاء أسباب ومبررات أفعاله، وأن يحاسب عليها.  بمعنى الحديث عن أخلاقيات النزاهة l’éthique de l’intégrité

أخلاقيات النزاهة بمعنى أن المسؤولية ليست فقط حقيقة، ولكنها أيضا قيمة اجتماعية، وهذا يتوقف على المنظور المعتمد، فقد يستغرق عدة معان منها أنه يشير بالضرورة إلى القيم الأخلاقية التي تتألف من المثل العليا للعصر، وتستمد منا حيويتها وتوليفاتها  الاجتماعية، كما قد تنطبق على النظرة الذاتية للعالم في علاقته مع الذات. مما يفرض حتما مجموعة من الالتزامات والواجبات، ويفضي الأمر إلى ترتيب الآثار والعواقب عن كل الأفعال الواعية للشخص. وهنا نتكلم عن مسؤولية الاختيار.

 

. لذلك تحدث المفكر الأمريكي  Starhawkعن "نزاهة أخلاقية" تكون فيها الاختيارات غير مستندة  إلى المطلق المفروض على طبيعة فوضوية، ولكن إلى مبادئ التنظيم الكامنة في الطبيعة. كما أنها لا يمكن أن تؤسس على قواعد محددة خارج السياق. إن هذه الاختيارات تؤكد أنه لا يوجد شيء يمكن فصله عن سياقه. وان  الفرد نفسه لا يمكن أبدا أن ننظر إليه على انه له وجودا  منفصلا ومعزولا  بل هو عقدة من علاقات متشابكة، تتحول باستمرار وبأشكال  مختلفة. وبذلك تتخذ المسؤولية هنا مفهوما باعتبارها وسيلة للتكامل،  ليكون الفرد جزء لا يتجزأ ولا ينفصل من المجتمع البشري.


والمسؤولية من جهة أخرى هي واحدة من ثلاث قيم مركزية للبيئية السياسية ( أو الايكولوجيا السياسية)، إضافة إلى قيمتي التضامن والاعتماد على الذات. ومعناها هنا الوعي بعواقب وآثار الإجراءات والتصرفات التي نتخذها في حاضرنا حاضرنا، سواء بالنسبة للمستقبل (البعد الزمني) أو بالنسبة
 لجميع الأقاليم المعنية (البعد المجالي). فالمسؤولية بهذا المعنى تفترض وجود نظام اقتصادي وقانوني وسياسي قادر على ربط علاقة تأثير وتأثر بين قراراتنا وتصرفاتنا مع الآثار التي تستتبعها ، سواء كانت ايجابية أو سلبية. أن هذه المسؤولية هي التي يجب أن تمارس بواسطة  استراتيجيات التنمية المستدامة على مستوى الحكومات والجهات والجماعات الترابية أو المحلية.

وفي ميدان الاقتصاد وإدارة الأعمال تمثل المسؤولية عن المنتجات المعيبة وغير الصحية والتي قد تؤثر على المستهلك وحقوقه أهمية متزايدة في الدول المتقدمة لأن التطورات التقنية والإعلامية جعلت من الصعب اليوم إخفاء عيب في
المنتج أو الخدمة المقدمة إلى الزبناء. لذلك نجد المؤسسات الكبرى في العام أدمجت في استراتيجياتها إجراءات وتدابير لتحليل عميق للعلاقة مع المستهلكين في إطار مفاهيم التنمية المستدامة والمسؤولية الاجتماعية.